اختر صفحة

إسماعيل محمد الشرواني إسماعيل محمد الشرواني ق

تحدثت عن نفسي.
قال الذين سمعوني: انظروا كيف يتباهى!‘
كيف يمكنني مقارنة الحقيقي بغير الحقيقي,
عندما تملأ قطرة واحدة، ذرة واحدة منه العالمين؟
الجزء هو الكل، والكل هنا هو الكل.
فيه ضاع العالمان - الروح
والتي تسرع.
هناك الشمس، وهنا الشعاع.
من رأى شعاعاً منفصلاً عن الشمس؟
الصوفي هناك بالكامل، فقط أثره هنا.
والأثر لا ينفصل أبدًا عن الكل

-الأنصاري الهروي الأنصاري الهروي، المناجاة

كان إمامًا في القوة الروحية. وكان من سادة الصوفية. وكان صاحب عرش الهداية، ومحطّ الفيض الإلهي. كان برج أسرار الغيب للذات الإلهية. وبواسطته اهتدى البشر على طريق المعرفة السماوية وبواسطته صاروا متميزين. كان منارةً لعصره. كان الإمام الذي شهد له الناس بعلو معارفه. كان في قرنه الصوفي الذي اتجهت إليه الأنظار.

 

كان الشيخ إسماعيل الشرواني (س) هو الذي جلب الطريقة النقشبندية إلى داغستان. وكان هو الذي أقام الجهاد ضد الاحتلال الروسي الغاشم وأعاد إحياء دين الإسلام في بلاده بعد أن كاد أن يُستأصل.

وُلِدَ في يوم الثلاثاء السابع من ذي القعدة من عام 1201 هـ / 1787 م. في يوم الثلاثاء السابع من ذي القعدة من عام 1201 هـ / 1787 م. في كردمير بخانية شروان في القوقاز. وكان قوي الجسم قوي البنية قوي البنية، وكان طويل القامة. وكانت بشرته فاتحة جداً. كانت عيناه ولحيته سوداء. كان صوته عالي النبرة.

تلقى تعليمه في شيروان على يد والده الذي كان من أعظم علماء عصره، وهو الشيخ أنور الشرواني. قام بتعليم إسماعيل الصغير حفظ القرآن، فحفظ إسماعيل القرآن كاملاً في سن السابعة من عمره. ثم أمضى وقتًا في حفظ القراءات السبع المختلفة. وفي التاسعة من عمره بدأ يتعلم الفقه وعلم الروايات النبوية على يد الشيخ عبد الرحمن الداغستاني. وفي تلك السن المبكرة كان قادراً على إيراد الأدلة من القرآن والحديث لأي مسألة فقهية تقريباً.

وذات يوم أصابه تأثير سماوي قوي أفقده الوعي بذاته تماماً، وأدخله في حالة من الانقطاع عن الذات. هذه الحالة، التي كان فيها تائهاً عن نفسه، دفعته إلى التجول بحثاً عن الحقيقة التي كان يراها في قلبه. ثم رأى ذات يوم رؤيا قال له فيها صوت يقول له: “عليك أن تتوجه نحو دلهي حيث ستتعلم من علمائها وشيوخها. وقد يوفقك الله أن تلتقي بخلفاء الشيخ عبد الله الدهلوي”.”

وظلت تلك الرؤيا تظهر له، حتى بلغ السابعة عشرة من عمره. قال لأبيه: “أريد أن أذهب لأصبح من أتباع عبد الله الدهلوي”. كان والده متخوفًا جدًا من السماح له بالذهاب إلى هذا البلد البعيد، لكنه رضخ أخيرًا وأذن لابنه بالسفر. انطلق إسماعيل إلى دلهي سيراً على الأقدام، يمشي ليلاً ونهاراً دون وسيلة نقل. واستغرق سنة كاملة حتى وصل إلى سيدنا عبد الله الدهلوي (س) في دلهي.

أقام في دار الشيخ الخانكة, التعلم منه. وظل في خدمته عدة سنوات. وفي سنة 1224 هـ/1809 م التقى بمولانا خالد (ق) عندما قدم الأخير إلى الهند لمقابلة الشيخ عبد الله الدهلوي (ق) وأخذ الطرقات من يده. وكان الشيخ إسماعيل يراقب بعناية سلوك مولانا خالد مع الشيخ عبد الله. وكان معجبًا جدًا بالطريقة والإخلاص اللذين كان مولانا خالد يخدم بهما الشيخ. نظر الشيخ عبد الله ذات مرة إلى سيدنا إسماعيل وقال: “أسرارك عند الشيخ خالد. عندما يعود إلى بلده ستتبعه”.”

ولما عاد مولانا خالد إلى بلده الشام سنة 1225 هـ، عاد الشيخ إسماعيل الشرواني إلى داغستان لوداع والديه. وفي رحلة عودته إلى داغستان توقف في إحدى المدن حيث وجد الناس واقفين في الصحراء رافعين أيديهم في دعاء, يسألون الله أن يرسل لهم المطر. لم يكونوا قد رأوا المطر لمدة عام كامل. فلما رأوه ولمحوا التقوى في وجهه، سألوه: “هل تستطيع أن تطلب من الله أن يمطرنا”. فرفع يديه في دعاء. تجمعت السحب وبدأت الرياح تهب. وبدأت السماء تمطر واستمرت تمطر لمدة سبعة أيام دون توقف.

عندما وصل إلى داغستان، استأذن والديه للانتقال إلى سوريا الكبرى (شام الشريف). ومع ذلك، مكث في داغستان لفترة طويلة من الزمن. وأثناء وجوده هناك كان الناس يأتون إليه باستمرار ليتعلموا من تعاليمه.

من أقواله

وقال:

“إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَخْلَصَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَوَّلُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْإِنْسَانُ أَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَاجًا إِلَى النَّاسِ”

“تَفُوحُ مِنْهُمْ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ مِنْ مُحِبِّي اللهِ وَتَنْتَشِرُ. حتى وإن حاولوا إخفاءها فلن يستطيعوا ذلك، أينما حلوا وأينما ذهبوا”.”

“من سمع الحكمة ولم يعمل بها فهو منافق”.”

“صُحْبَةُ الْمُبْتَدِعَةِ دَاءٌ وَدَوَاؤُهَا مُفَارَقَتُهُمْ”.”

“ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ”مَنْ صَبَرَ عَلَيْنَا بَلَغَنَا" .”

“إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ عِبَادَهُ حَلاَوَةَ ذِكْرِهِ. فمن شكر الله تعالى وفرح بذلك رزقه الله تعالى الألفة معه. وإن لم يكن شاكراً وفرح بذلك رزقه حلاوة الذكر، ولم يتركه إلا على لسانه”.”

“إن الله تعالى يعبّر عن معرفته بعباده بإطلاعهم على أوليائه”.”

“التصوف صفاء، وليس وصفًا. إنه حقيقة بلا نهاية، كنهر من الورد الأحمر”.”

"التصوف هو السير مع أسرار الله.”

“مَنْ آثَرَ صُحْبَةَ الْأَغْنِيَاءِ عَلَى صُحْبَةِ الْفُقَرَاءِ أَمَاتَ اللَّهُ قَلْبَهُ”.”

“للعارف وقت يشرق فيه نور المعرفة عليه. تجعله يرى عجائب الغيب.”

“مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَسْمَعُ وَهُوَ لَا يَسْمَعُ ذِكْرَ الطَّيْرِ وَأَصْوَاتَ الْحَطَبِ وَتَصْفِيقَ الرِّيَاحِ فَهُوَ كَاذِبٌ”.”

سُئل عن البشر. فَقَالَ: “أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ وَالْغُيُوبِ. عَلَيْهِمْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَنْصَبُّ”.”

قضى سنوات عديدة في داغستان. ثم راودته رؤيا أمره فيها الشيخ عبد الله الدهلوي (س) بالانتقال إلى الشام، والإقامة فيها وخدمة الشيخ خالد البغدادي (س). فسافر إلى الشام ماشياً من داغستان إلى كومان، ومن كومان إلى أذربيجان ومنها إلى تفليس. ومن هناك ذهب إلى تبريز، ثم إلى آمد وحلب وحماة وحمص. وصل أخيرًا إلى دمشق، مركز سوريا، بعد عام واحد من السفر.

في سوريا، ذهب على الفور لمقابلة شيخه. من المرجة في وسط المدينة حيث وصل، ولم يكن الطريق سهلاً إلى الجبل الذي يشرف على دمشق كلها، حيث كان شيخه خانيقا كان موجودًا. وسار من المرجة إلى ذلك الجبل في ساعتين حتى وصل إلى باب شيخه. وعندما دخل كان شيخه في انتظاره. قال له: “لقد وصلنا خبر وصولك. مرحباً بك”.”

فوضعه الشيخ خالد على الفور في عزلة لفترة طويلة من الزمن. وفي تلك العزلة علّمه في تلك العزلة ما يحتاج إليه للوصول إلى الكمال، ثم أعطاه قوة هذه الطريقة. وأمر جميع أتباعه بالاستماع إليه. قال,

“هذا خليفتي. هو مثل قبة المسجد، قبة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم سالا. ومنه سينتشر سر هذه الطريقة إلى داغستان. ومن هناك يمكنني أن أرى نورها يشع من خلال سبعة أجيال من الشيوخ. كل واحد من هؤلاء الشيوخ السبعة سيمثل أعلى قوى الحضرة الإلهية. ومن خلالهم سيكون هناك دعم كبير ضد جيش الجهل الذي سيجتاح منطقة داغستان”.”

“سيكون من بين أهل داغستان محارب واحد يعيش في زمن ثلاثة من كبار شيوخ هذه الطريقة، وسيكون مدعومًا من قبلهم. وسيقود القتال ضد جيش الجهل هذا”. ثم قال لأتباعه “الشيخ إسماعيل الشيرواني هو أفضل العلماء في هذا الزمان، وقد رفعته ليكون من الأولياء الكاملين. سيهديكم ويهدي الجميع من بعدي. وسيكون هو العارف الذي سينشر سر هذه الطريقة مرة أخرى في أقاليم القوقاز. وسيكون هذا الإمام أول من يجلس على عرشي وسيكون أميناً على ما عندي لينفق في سبيل الله. وَيَكُونُ أَمِينًا عَلَى عِبَادِي”.”

كان الشيخ إسماعيل يخدم شيخه ويلازمه ويلازم صحبته. وسافر معه وأقام معه في بيته خمس عشرة سنة. وأُعطي الخلافة المطلقة وأذن له في إرشاد الطالبين, الإرشاد. وقد أخرج الناس على أحسن ما يكون من علمه، حتى ذاع صيته في أرجاء الشام، والعراق، وفارس، وفارس، وأرمينية، وتركيا، حتى وصل إلى أرض داغستان.

وقد كلفه الشيخ خالد بتعليم الناس وتدريبهم في مسجد العدس بدمشق، وكان الشيخ خالد يكلفه بتعليم الناس وتدريبهم. وكان يحصي عمل كل مريد ويقيّمه واحداً واحداً، ويعرضه على شيخه مولانا خالد. ومهما كان السؤال الذي يطرحه عليه المريدون كان يعرضه على الشيخ. ثم يعطي الشيخ جوابًا أو يطلب من الشيخ إسماعيل أن يعطي حكمًا شرعيًّا (فتوى).

وذكر الشيخ ماجد الخاني: “كان الشيخ إسماعيل يقول لنا: ‘أنا مرآة مصقولة. كل ما نقشه حضرة مولانا خالد عليَّ قد عكسته لكم’. ولم يكن يرى نفسه أعلى منا”.”

قال الشيخ مجيد الخاني: “عندما توفي الشيخ خالد، بكى الشيخ إسماعيل. كان يرتجف، لكنه رغم ذلك كان ثابتًا كالجبل راسخًا ثابتًا. لقد جعل جميع أتباع الشيخ يجتمعون ويشهدون جميعًا في انسجام تام على تمسكهم بحبل الله. وجدد طاقاتهم ونزع الحزن من قلوبهم. وأعطاهم الاحترام وأثنى عليهم وبارك لهم. وعلَّمهم أفضلَ طرقِ العبادة، وأعدَّهم لتلقِّي المعارف الروحانية العلية. وتولّى إرشاد المريدين بدلاً من شيخه فأبقاه على ما كان عليه. قال: “ألا تعلمون أن حضرة مولانا خالد كان من أهل الله، وأن هؤلاء لا يموتون أبدًا. إنهم معنا في كل لحظة وفي كل ثانية”.”

غادر إلى داغستان بعد فترة من الوقت ووصل إلى هناك بسرعة كبيرة. في الزاوية في داغستان التقى بالشيخ خاص محمد. ولما رأى فيه نور هذه الطريقة قال له: “ستكون أحد خلفائي”. وفي النهاية سلمه سر الطريقة، وكذلك اثنين آخرين من كبار الأولياء في داغستان، وهما الشيخ محمد أفندي اليراغي والسيد جمال الدين الغموقي الحسيني.

وخلال إقامته في وطنه، قام الشيخ إسماعيل بنشر الطريقة في جميع أنحاء داغستان وشجع شعبه على محاربة الروس الذين كانوا يعارضون الدين والحياة الروحية. وسرعان ما انتشر أتباعه في كل مكان، وأصبح العديد منهم ناشطين في الحرب ضد الروس. كانوا لا يكلون ولا يملون من نشر الطريقة النقشبندية في جميع أنحاء داغستان حتى عُرفت كل مدينة وكل بيت بالنقشبندية.

وكان الإمام شامل الداغستاني الشاشاني والملا فوزي محمد، قائدا الحركة ضد الروس، من بين أتباعه. وطوال 36 عامًا، وتحت قيادته وقيادة خلفائه المباشرين في السلالة، دافعوا عن بلدهم من الهجمة الروسية الظالمة.

من قواه الخارقة

يُحْكَى أَنَّ الشَّيْخَ إِسْمَاعِيلَ (س) كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ فَرَأَى فَقِيرًا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَنَامُ. فاقترب منه وسأله: “ماذا تشتهي؟ قال: ”أشتهي خبزًا ساخنًا وبعض الطعام“. فرفع الشيخ إسماعيل يديه متضرعًا وقال: ”اللهم هذا عبدك لم يأكل منذ ثلاثة أيام. أرسل له من الطعام ما تشاء من الطعام“. ولم يكد يفرغ من الدعاء حتى دخل رجل المسجد قائلاً: ”مرضت زوجتي فنذرت أن أطعم المساكين لعلها أن تتبرك. لقد أحضرت بعض الخبز الساخن وبعض الطعام لإطعام الجياع“.”

يروي أحد أتباعه في داغستان: “قَالَ الشَّيْخُ إِسْمَاعِيلُ لِنَفْسِهِ ذَاتَ يَوْمٍ: ‘يَا نَفْسِي إِنِّي غَضْبَانُ عَلَيْكِ. أنا سأرميك في المصاعب’. فذهب إلى جبال داغستان واضطجع على فم كهف فيه أسدان. لم يتحرّكا، فاندهشنا نحن الذين تبعناه. ثم اقترب منه الأسد الذكر وفي فمه قطعة كبيرة من اللحم وجلس بعيداً، ولم يقترب منه بل اكتفى بمراقبته. ثم اقتربت اللبؤة وفي فمها بعض اللحم. وبدأت في البكاء والزئير. اقترب الذكر من الأنثى وجعلها تتوقف عن البكاء. جلسا لفترة من الوقت يراقبان الشيخ. ثم أخذ الأسد الذكر شبلَيه الصغيرين وأعطاهما للأم، بينما اقترب هو من الشيخ إسماعيل. وجلس بجانبه وبقي إلى أن غادر الشيخ”.”

مر الشيخ إسماعيل ذات يوم بقرية. وعندما رآه بعض أهل القرية وعرفوه خرج الناس جميعًا مسرعين للقائه. فجاء شيخ القرية وقال: “يا شيخ إسماعيل، تعال يا شيخ إسماعيل وعلِّمنا”. فَقَالَ: “يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّ لِلَّهِ طَرِيقَيْنِ فِي التَّعْلِيمِ: الطَّرِيقُ الْعَامُّ وَالطَّرِيقُ الْخَاصُّ. أما الطريق العام فهو الطريق الذي أنت عليه أنت وأصحابك. وأما الطريق الخاص فتعالوا معي أدلكم عليه”. فتبعوه حتى وصل إلى نهر. قال: “هذا طريق الله”، ومشى عبر الماء إلى الجانب الآخر. ثم سار مبتعدًا، واختفى.

يروي الشيخ عبد الرحمن الداغستاني:

“ذات يوم كنت جالسًا وسط مجموعة كبيرة من الناس. رأينا الشيخ إسماعيل يقترب وهو يرتدي عباءة صوفية وفي قدميه حذاء جديد. قلت في نفسي: ‘هذا الشيخ إسماعيل شيخ صوفي حقيقي. سأذهب إليه وأطرح عليه سؤالاً صعبًا لأرى إن كان يستطيع الإجابة عليه أم لا’. اقتربت منه ورآني. وعندما اقتربت منه قال: ‘يا عبد الرحمن، قال الله تعالى في القرآن الكريم: ’يا عبد الرحمن، قال الله تعالى في القرآن الكريم: ‘لا تظنوا أنكم ستسألونني عن شيء’. لا تحاول أن تسألني. هذا ليس سلوكًا حسنًا". قلت في قلبي: يا لها من معجزة! هذه معجزة عظيمة! كيف عرف سؤالي وكيف عرف اسمي؟ يجب أن أتبعه وأسأله أكثر". ركضت خلفه لكنني لم أستطع العثور عليه.

“رأيته ذات يوم في إحدى القرى. كان واقفاً يصلي وعيناه مليئتان بالدموع. فلما فرغ ركضت نحوه وخطر على قلبي أن أطلب منه المغفرة لما فعلته في المرة الماضية. فنظر إليَّ وقال: اقرأ عليَّ الآية القرآنية, وعني الغفاران ليمان طابة وأمانة وأميمة وصالحان ثُمّ هُدى [20:82] (‘بلا شك أنا هو الذي يغفر مرة بعد مرة للذين يتوبون ويؤمنون ويعملون الصالحات - الذين هم في النهاية مستعدون لتلقي الهداية الحقيقية). ثم غادر. قلت لنفسي: ‘بالتأكيد هو واحد من عبد العال (قَوْلُهُ: “بَدَلٌ مِنَ الْقِدِّيسِينَ” ) أَيْ: بَدَلٌ مِنَ الْخَوَاطِرِ الَّتِي فِي قَلْبِي.’

“في وقت لاحق من ذلك اليوم نفسه، وأنا في طريقي إلى البيت، مررتُ بتلك القرية مرة أخرى، فرأيته واقفًا عند بئر وفي يده كأس. أراد أن يشرب من البئر. وبينما كنت أراقبه سقط الكأس في البئر. ثم رأيته يرفع يديه ويردد هذا الدعاء: ‘اللهم إني عطشان إلى الماء والماء طعامي الوحيد. اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِي وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي عَطْشَانُ’. والله ما مرت ثانية واحدة حتى ارتفع الماء في البئر حتى وصل إلى أعلاها وفاض من البئر ومعه الكأس. فأخذ القدح فشرب، ثم توضأ وصلى أربعًا ركعات. ثم وضع الرمل في الكوب، ووضع بعض الماء مع الرمل وحركه بإصبعه. ثُمَّ جَلَسَ يَأْكُلُ مِنَ الْخَلِيطِ. فجئت فقلت: يا شيخ إسماعيل، دعني آكل معك. فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَحْسِنْ ظَنَّكَ بِاللَّهِ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فأعطاني الكأس. فوضعته في فمي فإذا هو ماء وعسل. فأقسم بالله أني لم أشرب في حياتي شيئاً لذيذاً كهذا. ومرت أيام كثيرة بعد ذلك ولم أكن بحاجة إلى أن آكل أو أشرب، فقد شعرت بالشبع الشديد من حلاوة ذلك الكأس الواحد‘.’

قال الشيخ محمد الداغستاني: “خرجت ذات مرة لرؤية الشيخ إسماعيل الشيرواني. فقبلت يده وطلبت مرافقته في سفره. سافرت معه لمدة يومين. لم أره في تلك الفترة يشرب أو يأكل. فأصابني جوع وعطش شديدان وضعفت جداً من كثرة المشي بلا طعام ولا شراب. قلت: ‘يا شيخي أنا ضعيف جدًا’. قال: هل أنت عطشان أم جائع؟ قلت: نعم، كلاهما. قال: إذن أنت لا تستحق صحبتي. أغمض عينيك. فأغمضت عيني وعندما فتحتهما وجدت نفسي في منزلي‘.’

وتوفي في العاشر من ذي الحجة، يوم الأربعاء، من عام 1255 هـ / 1839 م. ودفن في أماسيا.

ونقل سره إلى خلفائه الثلاثة الذين كانوا جميعًا من تلاميذه. وكان هذا التوريث المتعدد مشابهًا لما كان عليه الحال في زمن سيدينا شاه نقشبند، حيث كان يورث سر الطريقة إلى العديد من الخلفاء؛ ولكنه يختلف عن ذلك الزمن، من حيث إن شاه نقشبند كان يورث السر الرئيسي إلى واحد فقط وهو سيدينا علاء الدين العطار، بينما كان الشيخ إسماعيل يورثه إلى الثلاثة: الشيخ خاس محمد الشرواني, الشيخ محمد أفندي اليراغي الكورالي, و السيد جمال الدين الغموقي الحسيني.

أبلغ سيدُنا إسماعيل الشيرواني خُلَفاءه الثلاثة نبوءةً لمستقبلهم “إني ناقلٌ إلى كل واحد منكم سرَّ الطريقة، في نفس الوقت، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم سالا, وبأمر من سيدنا عبد الخالق الغجدواني، وإمام الطرق شاه نقشبند، وشيخي خالد البغدادي، وبواسطة الحضور الروحي لسيدنا أويس القرني. كل واحد منكم سيحمل سر هذه السلسلة الذهبية بنفس القوة، لكن صعودكم إلى عرش الهداية سيكون بالتتابع، وكل واحد منكم سيحفظ العلاقات مع الآخر كما أقول الآن: مباشرة بعدي ستكون سلطة ذلك السر في يد الشيخ خاص محمد الشرواني، ثم ستكون في يد محمد أفندي اليراغي الكورالي، ثم ستوضع في يد السيد جمال الدين الغموقي الحسيني.”

والعجيب في هذا التنبؤ من الشيخ إسماعيل أنه أخبر الخلفاء بأمر وفاتهم، وقد وقع كما تنبأ به.