اختر صفحة

صلح الحديبية

كيف تم إعادة السيوف إلى أغمادها
وتم غزو العقول بدلاً من ذلك

كانت الحديبية اسم بئر تقع على مسافة ميل واحد من مكة، وكانت المستوطنة القريبة من البئر تحمل نفس الاسم. وهنا تم توقيع أهم معاهدة بين المسلمين وقريش، وهي المعاهدة المعروفة باسم صلح الحديبية. ربما بدا الأمر في الظاهر وكأنه هزيمة واستسلام للمسلمين، ولكن في الواقع كان هذا الصلح انتصارًا واضحًا، وانتصارًا باهرًا استحوذ على القلوب والعقول، ونجاحًا باهرًا، وانتصارًا بعيد المدى للمسلمين.

فقد كان المسلمون مهاجرين من موطنهم الأصلي في مكة، وكانوا دائمًا في حنين وحنين إلى موطنهم الأصلي في مكة. علاوة على ذلك، لم تكن الكعبة ملكًا لقريش، بل كانت ملكًا للأمة العربية كلها، ولم تكن قريش إلا حراسًا وسدنة. حتى العدو الذي كان يأتي إلى المدينة بنية الحج إلى هذا المكان المقدس، كان يُسمح له بالدخول. كان المسلمون الآن متحمسين لأداء فريضة الحج إلى المكان الذي أقام فيه النبي إبراهيم معبدًا بأمر من الرب. كانت بعثة النبي محمد r تتضمن إعادة إحياء العقيدة الدينية وممارسات سلفه وسلفه النبوي خليل الله إبراهيم r. كانت الكعبة هي القبلة، أي مسكن الربوبية. وقد أمر الله سبحانه وتعالى، الذي هو فوق كل جهة من جهات الزمان والمكان، الخلق أجمعين من الكائنات التابعة بالتوجه نحو هذه القبلة والتضرع إليه سبحانه وتعالى.

وعلى الرغم من أن النبي الكريم r كان استثناءً عظيمًا من حيث إنه -بسبب نبله الروحي- لم ينحرف عن دين إبراهيم الموحى به، فإن معظم العرب كانوا قد تحولوا إلى وثنيين. وعلى الرغم من ذلك، فقد كان العرب جميعًا يعظمون الكعبة تعظيمًا عظيمًا، وكانوا يتدفقون في الأشهر الحرم إلى مكة لأداء مناسك الحج. وكانت جميع الحروب محظورة خلال الأشهر الحرم (الأشهر الحرم). ثم امتنع رجال القبائل أنفسهم، الذين كانوا متعطشين لدماء بعضهم البعض، عن القتال وتوحدوا حول الكعبة. وكان هذا معروفاً لدى المسلمين الذين كان من حقهم أن يقولوا: “مع أن زيارة بيت الله حقنا القديم، إلا أننا لم نحج بعد. منذ ست سنوات طويلة ونحن محرومون”.”

ولما كان الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، فقد عزم الرسول الكريم r على الذهاب إلى مكة المكرمة لزيارة البيت الحرام. وأعلم أصحابه فتهيئوا ولبسوا لباس الإحرام، وهو لباس الحجيج، من أجل أداء العمرة (الحج الأصغر)، واختاروا الإبل للهدي. وأمر النبي صحابته ألا يذهبوا متجهين بلباس الحرب حتى تعلم قريش أنهم قادمون بنية السلم، وأن يأخذوا معهم سيوفهم ليحموا بها في الرحلة. كما استأذن بعض الأنصار في القدوم معهم، فأذن لهم النبي r، وأذن لهم النبي r. وخرج مع المهاجرين والأنصار 1500 من المسلمين إلى مكة المكرمة.

فلما وصلوا إلى ذي الحليفة أمرهم النبي r أن يفرقوا الإبل المعدة للأضحية، ففعلوا ذلك. وأرسل r رجلاً من خزاعة إلى قريش لم يكن معروفًا عندهم بالإسلام ليعرف رد فعلهم تجاه المسلمين القادمين. وقد جاء هذا الرجل من خزاعة واسمه خراش بن أمية حتى وصل إلى عسفان (ربع مكة). فطاف بين الناس يستمع إلى أحاديثهم وآرائهم في اقتراب المسلمين من المدينة، يريد أن يعرف هل يوافقون على دخولهم المدينة أم لا؟ فَوَجَدَهُمْ مُجْمِعِينَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَزَمُوا عَلَى الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ بِالْقُوَّةِ. ولم يسمحوا لهم بالاقتراب من الكعبة. وعلم أيضا أن فرقة مسلحة من قريش قد عسكرت في ذي طوى، وأن أحد كبار قوادهم وهو خالد بن الوليد كان معهم. وكان هو وعكرمة بن أبي جهل قد جاء كل منهما بكتيبة مسلحة وتقدم كل منهما بكتيبة مسلحة حتى كراع الغميم الذي يقع بين ربيعة والحجفر على بعد ثمانية أميال من المكان الذي نزل فيه المسلمون.

وكان خراش بن أمية من بني خزاعة قد نجا بصعوبة من أيدي قريش. ولولا أن حُلَيْس بن علقمة كان زعيم الأحابيش، وكان معروفًا عنه أنه محارب شرس لما نجا حيًّا. وقد جاء إلى الرسول الكريم r بكل ما علمه من تحركات العرب في تلك المنطقة. ثم قال النبي r لأصحابه: ‘مَا دَامَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَسَنُغَيِّرُ مَسِيرَنَا وَنَمُرُّ إِلَى الْمَيْمَنَةِ“.”

وعندما رأى قائد فرسان قريش خالد بن الوليد الغبار يثور من خيول المسلمين، حفز فرسه على الفور وأسرع عائداً إلى مكة ليبلغ قريشاً. وقال لهم: ’إن المسلمين قد وصلوا إلى الغميم عن طريق معبر المرار“.

كان الرسول الكريم r راكبًا ناقته القصواء. فلما وصل إلى الممر بركت الناقة ولم يحركها شيء لتواصل سيرها. فظن الصحابة أن الناقة قد تعبت من الرحلة، ولكن الرسول الكريم r قال: “لا، ليس هذا من تعب القصواء، إنما القصواء توقفت عن السير. فهذه ليست طبيعتها. فالذي حبس الفيل عن دخول مكة هو الذي حبس القصواء عن دخول مكة، وهو الذي حبس الفيل عن دخول مكة”.”

لقد رأى النبي r أنه من غير المناسب أن يدخل النبي r مكة المكرمة بطريقة حربية. بل أكثر من ذلك، فقد تنبأ r بحكم رؤياه النبوية بقرب دخول كثير من قريش في حظيرة الإسلام. لقد أجبرت الأخبار التي جاء بها خراش المسلمين على أن يجردوا سيوفهم، ولكن الرسول r قال: “دَعُوا سُيُوفَكُمْ فِي أَغْمَادِهَا، فَإِنِّي سَأَسْتَأْثِرُ عَلَيْكُمْ بِسُيُوفِكُمْ”. ثم التفت إلى عمر قائلاً له: ‘هلاَّ ذهبت إليهم وبيَّنت لهم أننا لم نأتِ بقصد الحرب ولكن بقصد السلم“.”

فأجابه عمر: ‘يَا نَبِيَّ اللَّهِ r! حياتي وروحي ملك لك، ليس لي شيء أتمناه لنفسي، إلا أن تستمر روحي في خدمتك مدة أطول. إن أملي ألاَّ أرحل من هذه الحياة قبل أن أكمل خدمتي لك. إن زعماء قريش يعرفون غضبي الشديد عليهم. ولذلك فمن المحتمل جداً أن يسعوا إلى انتهاز هذه الفرصة لقتلي. وعلاوة على ذلك، ليس لي عشيرة قريبة في مكة يمكنني أن أطلب حمايتها. لعلكم ترسلون عثمان بن عفان بدلاً مني؟ فقبيلته ممثلة بقوة في مكة، وكثير من أقاربه يعيشون هناك. ومع ذلك، إذا كنت تأمرني بالذهاب فليكن. سأنطلق في هذه اللحظة“.‘

فأجابه النبي r: “نَعَمْ، وَالَّذِي تَقُولُ أَحَقُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: نَعَمْ، وَالَّذِي تَقُولُ أَحَقُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: نَعَمْ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ: ”قُمْ يَا عُثْمَانُ فَاذْهَبْ إِلَى قُرَيْشٍ. فقل لهم بكلام جذاب أننا لم نأت للحرب. واذهب أيضاً فابحث عن إخواننا في مكة الذين اضطروا إلى كتمان إسلامهم. وأبلغهم سلامنا وطمئن قلوبهم‘.‘

ولما اقترب عثمان من مكة، فرح به رؤساء قريش وأحسنوا استقباله. وعرضوا عليه أن يطوف بالبيت الحرام ويطوف بالبيت. ولكنه رفض قائلاً: ‘ما دام إمام الأنبياء r لا يستطيع الطواف فأنا أيضًا لن أطوف“. فلما سمعوا ذلك احتجزوا عثمان.

وفي هذه الأثناء كان المسلمون قد وصلوا إلى بئر الحديبية، وأمرهم النبي r أن ينزلوا في هذا المكان. فاستقوا الماء من البئر مرة واحدة فقط، ثم نضب ماؤها. وهنا أظهر النبي r معجزة أخرى، وجعل ماء المكان ينبع من جديد؛ حتى لا يعاني أحد من العطش. لم تكن قبيلة خزاعة التي كانت تعيش في هذه المنطقة قد اعتنقت الإسلام بعد، ولكن رجال القبيلة كانوا يميلون إلى محمد r، وكانوا حلفاء للمسلمين. وكانوا يخبرون المسلمين بالأوضاع في مكة وتحركات قريش. ولما سمع بُدَيْل بن ورقاء بوجود النبي r في الحديبية جاء مع وفد من قومه لزيارته r، وكان من بين هؤلاء وفد من قريش.

وأخبر أيضًا عن عزم قريش على منع الرسول r من دخول مكة المكرمة. أرسل الرسول الكريم r بُدَيلًا إلى مكة ليخبر قريشًا أن المسلمين ما جاءوا إلا ليحجوا ويعتمروا، ويعظموا البيت الحرام، وينوون العودة إلى المدينة المنورة فور انتهائهم من عمرتهم. ولكن عندما سمع عكرمة ورهطه من الأوغاد طلبه رفضوه على الفور، وقالوا: ‘لا تحدثنا عن محمد!“. غير أن عروة بن مسعود الثقفي قال: ”أما هذه المرة فلنسمع ما عنده. فإن وافقنا وافقناه، وإن لم يوافقنا رددناه، فإن وافقنا قبلناه، وإن لم يوافقنا رددناه‘. فوافقه الحارث بن هشام وصفوان بن أمية وقالا: “تكلم إذاً، إن كان ولا بد”. فقصَّ عليهم بُدَيْلٌ كل الكلمات التي قالها الرسول الكريم r، وهم يستمعون بانتباه. وفي النهاية قام عروة وخاطب قريشًا وسألهم قائلاً: “ما رأيكم فيَّ؟ هل تثقون بي؟ أَلَسْتُ كَأَبِيكُمْ، أَلَسْتُمْ مِثْلَ أَبِيكُمْ، أَلَسْتُمْ مِثْلَ بَنِيَّ؟ أجابت قريش: ”نحن نثق بك في كل شيء‘. “فقال: ”في هذه الحالة، أرى من المناسب أن أقبل عرض محمد r. أجد اقتراحه مقبولاً. لذلك سأذهب إليه في الحال وأتحدث إليه في هذا الأمر بينكما“.”

فوافقت قريش على ذهاب عروة ليكلم محمدًا r، فلما دخل على رسول الله r، أخبره أنه جاء على لسان قريش وبدأ يتكلم، فقال: ‘يَا مُحَمَّدُ r! اعلم أن قريشًا قد استعدَّتْ استعدادًا كاملاً وتنتظر قدومك. كل القبائل البدوية هنا تحت سيطرة قريش. وستفهم أن قواتك التي أعددتها على عجل هنا لا تساوي شيئًا بالمقارنة بقوة القوة المجهزة تجهيزًا كاملاً التي تنتظرك. وبصرف النظر عن ذلك، دعنا نفترض للحظة أنك ستقهر قريشاً: ستكون قد أهلكت قومك - وهو خطأ لم يسمع به تاريخ البشرية! وَكَذَلِكَ لَوِ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قُرَيْشٍ لَسَحَقُوكُمْ وَمَنْ مَعَكُمْ كَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنْكُمْ“.”

وهكذا تكلم عروة كلامًا لاذعًا في جمع الصحابة، الذين كانت قلوبهم مرتبطة بالرسول الكريم r ارتباطًا تامًّا في إخلاص تام. وفي النهاية لم يستطع أبو بكر أن يطيق أكثر من ذلك، وتكلم مع عروة بأسلوب عدائي قائلاً: ‘انتبه يا عروة، هؤلاء الرجال هنا من أصحاب رسول الله r، لم يبقَ لأحد منا في نفسه شيء من حظوظ النفس. فقال له عروة: ‘يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّكَ لَمْ تُدْرِكْ ذَلِكَ، إِنَّ قُوَّةَ الإِيمَانِ تَتْبَعُ الْحَقَّ“.‘

‘ذهل عروة من هذه الكلمات. وتساءل من هو المتكلم، ونظر حوله فعرف أبا بكر. ثم قال له: “كنت أود أن أرد على هذا يا أبا بكر، ولكني لما تذكرت ما رأيت منك من خير فيما مضى سأكف عن ذلك”. ثم التفت مرة أخرى وخاطب النبي الكريم r، فلما سكت في حديثه مدَّ يده على طريقة العرب ليمسح لحية النبي r، في أسلوب مألوف. ولما علم المغيرة بن شعبة الثقفي الذي حضر عند النبي الكريم r أن هذا الفعل يدل على عدم الاحترام، صرخ المغيرة بن شعبة الثقفي في حالة من اللهفة التي تبعثها المحبة: “احذر يا عروة! ارفع يدك عن وجه رسول الله r قبل أن تفقدها!‘. لقد قال المغيرة هذه الكلمات القاسية رغم أن عروة كان خاله من جهة الأم.

‘ونظر عروة حوله ليرى من الذي يسيء إليه بهذه الطريقة، وعندما عرف ابن أخيه ذهل، وقال في نفسه: “إذن الحب الذي يلقيه رسول الله r في أتباعه لا يعرف روابط الدم ولا يخضع للقوة”. وكان هذا هو الحال بالفعل؛ فقد كانت هذه الأرواح ترفرف حول الرسول الكريم r، وقد أحيطت بأجنحة الشهادة بالوحدانية الخالدة والبعثة الإلهية للرسول الكريم r، كما يرفرف العث حول المصباح. ولو سقطت من رأس حبيب الله r شعرة واحدة من رأس حبيب الله r، لغطسوا لالتقاط هذه الشعرة وكانت أغلى عندهم من كل ثروات الدنيا. لقد أدرك عروة هذا الأمر بوضوح شديد الآن، وأدرك أيضًا أنه لا سبيل إلى إطفاء النار التي اشتعلت على جبل حراء عندما أخذ محمد r قضية ‘لا إله إلا الله“ منفردًا.

ثم بدأ النبي r في الكلام: “اعْلَمُوا أَنَّا لَمْ نَأْتِ إِلاَّ لِقَضَاءِ مَنَاسِكِ حَجِّنَا. ونحن على استعداد لإبرام هدنة مع قريش. ولكن إذا أصروا على إثارة المشاكل، فسوف نضطر إلى استخدام السلاح، وسنقاتلهم حتى النهاية”.”

‘ورجع عروة إلى مكة، وشرح لقريش كل ما رآه وسمعه، فقال له عروة: “لقد رأيت قصور كسرى، ورأيت قصور النجاشي. قال: ”لقد رأيت قصور كسرى، وكنت في بلاط إمبراطور بيزنطة وفي المقر الملكي للزنج. لقد رأيت وتحدثت إلى عدد كبير من الملوك الكبار والعظماء في زماني. ولكن والله ما رأيت ملكًا بين قومه مثل محمد r بين أصحابه. وعندما يتهيأ محمد r للكلام، يخيم الصمت على الجمع، ويطبق الصمت على السماء والأرض، وكأنهم يتلهفون لسماع كلامه. ولا يرفع أحدهم حتى بصره عن الأرض. لن يكون من السهل التخلص من هذه العصابة، لأنهم لن يتخلوا عنه أبدًا لأي سبب من الأسباب. لذلك يجب أن نسلك طريق التنازل والمصالحة".”

وكان زعيم الأحابيش، حُلَيْس الذي تابع هذا النقاش منذ بدايته قد أثار اهتمامه كل هذا. فقرر أن يذهب ليرى بنفسه، فأسرع إلى معسكر المسلمين. وهناك رأى عددًا كبيرًا من الإبل مهيأة للتضحية، مزينة بالأشرطة المزركشة والزينة الملونة. وكان الصحابة يرددون “لبيك” بأصوات عالية رنانة، ومعناها “أمرنا يا رب فنحن رهن إشارتك”. (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ)

اندهش زعيم الأحابيش من هذا المظهر من الخشوع والتقوى والإخلاص الصادق من قِبَل أتباع الرسول r. فذهب من فوره إلى قريش وقال لهم: “إن كنتم تعولون علينا في نصرتكم على مسلمة آل محمد r، فانسوا الأمر. فكيف تفكرون في منع جماعة من حجاج بيت الله من زيارة بيت الله؟ إِنَّمَا أَنْتُمْ حُلَفَاؤُنَا، وَلَكِنْ فِي هَذَا الْأَمْرِ عَوِّلُوا عَلَيْنَا. لا شك أن قبائل العرب لن ترضى بصدكم هؤلاء الحجاج عن زيارتهم لبيت الله الحرام”.”

ففكرت قريش فيما قاله، وفي النهاية اضطرت قريش إلى الإقرار بالهدنة؛ ففكروا فيما قال، وفي النهاية اضطروا إلى الإقرار بالهدنة. فأرسلوا سهيل بن عمرو وكان رجلاً فصيحًا بليغًا فصيحًا وسيطًا إلى رسول الله r، وكان سهيل من خطباء قريش ذوي اللسان البليغ، وكان من خطباء قريش المشاهير. فلما التقى بأمير المؤمنين r، قال له: ‘يَا مُحَمَّدُ r! إن قبلتَ ما تقترحه قريشٌ سنعقد معك صلحًا. وشرطنا الأول هو هذا: أن تدخل مكة هذا العام، ولكن لا تطوف بالبيت. إنكم ستعودون إلى المدينة دون أن تطوفوا طواف الوداع، لأنكم لو أتممتم زيارة البيت الحرام هذا العام لضاع الشرف والكرامة. وسيفترض رجال القبائل العربية أن محمدًا r وأصحابه دخلوا مكة عنوةً وهزموا صناديد قريش، وسيفترض العرب أن محمدًا r وأصحابه دخلوا مكة عنوةً وهزموا صناديد قريش. فلتعودوا في العام القادم لتطوفوا طوافكم“.”

وبعد أن تناقشوا في كل هذه النقاط بالتفصيل، وافق الرسول الكريم r على تأجيل حجهم إلى العام التالي. ثم أمر عليًّا بكتابة المعاهدة. ثم قام علي - الذي كان قريبًا من النبي r، ويتمتع بثقته التامة - بكتابة العقد. فبدأ بكتابة الكلمات الجليلة التي تُنطق في بداية كل عهد لضمان نجاحه، فبدأ بكتابة الكلمات الجليلة التي تُنطق في بداية كل عهد لضمان نجاحه: بسم الله الرحمن الرحيم. غير أن سهيل اعترض على هذه الصيغة، وأصر على أن يكتب عبارة:‘بسم الله أكبر’ (باسمك اللهم)، معتبرًا أن المعاهدة ناقصة إذا لم تستخدم هذه العبارة. ورغم اعتراض بعض الصحابة، إلا أن الرسول الكريم r أمر عليًّا t أن يكتب “بسمة الله أكبر"."

وبعد هذه الكلمات استمر في الكتابة: “محمد رسول الله r يوافق على شروط الهدنة”، ولكن سهيلًا اعترض على ذلك. “فقال: ‘لَوْ رَضِينَا بِكَ يَا رَسُولَ اللهِ r مَا كَانَ قِتَالٌ، وَلَمَا كَانَتْ هَذِهِ الْهُدْنَةُ ضَرُورِيَّةً. وَلَمَا كَانَ بَيْنَنَا خِلاَفٌ، وَلَمَا مَنَعْنَاكَ مِنْ زِيَارَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ’. وعندئذٍ غيَّر الرسول الكريم r صياغة النص، وأمر عليًّا أن يكتب ”محمد بن عبد الله“. فأصاب الصحابة عند ذلك حزن شديد، وارتعدت فرائصهم من الغضب. ولكن محمدًا r نفسه لم يفقد وقاره ورباطة جأشه ورباطة جأشه وقال: ”يَا عَلِيُّ اشْطُبْ مَا كَتَبْتَهُ وَاكْتُبْ مَكَانَهُ ‘مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ’. لأن إنكارهم لنبوتي لا يغير شيئًا على الإطلاق، فأنا رسول الله حقًّا رسول الله r. وَإِقْرَارُهُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَيَكْفِينِي إِقْرَارُهُ“.‘

لأن الله تعالى يقول في قرآنه المجيد الذي سيبقى غضا طريا حيا إلى قيام الساعة، وفيه كل ما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي كله:

قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.

(التوبة، 33)

وبهذه التسمية الإلهية ‘محمد رسول الله’، ثبَّت الله تعالى حبيبه النبي r، فقال له: “يا حبيبي إني قد أمددتك بالوحي الإلهي”.”

ولذلك قال النبي r الذي تجلت فيه صفات هذه الآية الكريمة لعليٍّ r: “لا ضَيْرَ يَا عَلِيُّ! اشطبها واكتب ‘بن عبد الله’. عليٌّ الذي لم يعارض حتى هذا الوقت رغبة أو إرادة النبي الكريم r، والذي لم يتردد مرة واحدة في تحقيق أدنى إشارة إلى أي رغبة عبَّر عنها، هذا الإمام العظيم توقف الآن. رفضت يده أن تمحو الكلمات التي كتبها ”محمد رسول الله r“. قال والدموع تترقرق في عينيه: ”يا نبي الله r، لا أستطيع أن أمحو هذه الكلمات“. وعند ذلك قال له الرسول الكريم r: ”وَاعْلَمْ يَا عَلِيُّ أَنَّهُ سَيُصِيبُكَ يَوْمًا مَا مِثْلُهَا“. وهذا يشير إلى حدث في المستقبل.

من خلال رؤيا عجيبة، أخبر الرسول الكريم r بما قام به عليٌّ r بعد معركة صفين: عندما كان عليٌّ r يوقِّع اتفاقية الهدنة مع والي الشام معاوية، اعترض الأخير في تمرُّده على استخدام لقب أمير المؤمنين أمير المؤمنين، قائلاً: ‘لو كنتُ أرضى بك أميرًا للمؤمنين لكنتُ لك تابعًا ولما وقع هذا القتال. فاشطب هذا اللقب ’أمير المؤمنين“، واكتب ‘علي بن أبي طالب’.‘

وقد أخبر النبي الكريم r بهذا الحدث عليًّا r قبل وقوعه بسنوات عديدة عن طريق الرؤيا النبوية. فلما جاء الوقت الذي رأى فيه عليٌّ r رؤيا النبي r، وأثبت له النبي r رؤيا النبي r وكلامه له في الحديبية، قال: “صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ”، وشطب لفظ ‘أمير المؤمنين’ وكتب ببساطة: ‘عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ’.

يا طالب الحق! إن ذكر هذا الإمام العظيم الذي لم يتردد أو يتوانى مرة واحدة في أي طلب يطلبه منه الرسول الكريم r، يعيد إلى الأذهان قصة أخرى توضح هذه النقطة بدقة، ونضعها بين يدي القارئ الكريم.

وفي يوم من أيام رمضان أشار النبي الكريم r إلى بطيخة فوق رف عالٍ، وطلب من الصحابة المجتمعين في حضرته المباركة أن يتفضلوا بتقطيعها له، فقد كان في مزاج جيد لأكل البطيخ. فقال كل واحد منهم: “يَا رَسُولَ اللَّهِ r، لَعَلَّكَ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ r، إِنَّا صَائِمُونَ الْيَوْمَ”. وأخيرًا مرَّ به عليٌّ r، فقال له النبي r: “يَا عَلِيُّ إِنِّي أَشْتَهِي هَذَا الْبِطِّيخَ، أَلاَ تَقْطَعُهُ لَنَا فَنَأْكُلَهُ”. فقام عليٌّ على الفور ليأتي بالبطيخة من على الرف ويبدأ في تقطيعها. فقال له الصحابة الحاضرون في ذلك الوقت: “يا علي، لا بد أنك نسيت أنه رمضان”. فقال علي مرآة الرسول الكريم r، وبوابة قلعة الحكمة: “من رسول الله r تعلمت منه صوم رمضان، فإذا قال: كل. أَكَلْتُ، وإذا قال: ‘كُلْ! فأنا صائم. هذا كل شيء’.‘

فتبسم النبي الكريم r، وهو إمام الأنبياء جميعًا، ثم قال للصحابة: “كُلُوا مِنْهَا جَمِيعًا، فَإِنَّ الْمَلَكَ جِبْرِيلَ أَتَانِي الْآنَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ الْيَوْمَ عِيدُ رَمَضَانَ. فَخُذُوا حِذْرَكُمْ جَمِيعًا وَتَشَبَّهُوا بِعَلِيٍّ‘.”

ومرة واحدة فقط عارض عليٌّ النبي الكريم r، وقال: “لَا أَشْطُبُ مَا كَتَبْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ”. فقال الرسول الكريم r: “هَاتِهَا، فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِنَفْسِي”. فشطب بيده المباركة هذه الكلمات في العقد وكتب بدلاً منها: ‘محمد بن عبد الله’. وقد أثارت هذه الحادثة فيما بعد بعض الخلاف. فقد تساءل بعض الناس: “كيف يمكن للنبي الذي كان غير متعلم على ما يزعم، وغير ضليع في فن القراءة أو الكتابة، كيف يمكن أن يكتب اسمه بيده”. هذه طريقة تفكير فجة ودنيئة للغاية. صحيحٌ أن الرسول الكريم r لم يكن يقرأ أو يكتب كما نقرأ أو نكتب، ولكنه لو شاء أن يفعل ذلك لكان قادرًا على أن يقرأ أو يكتب ما يشاء. وليس هناك ما هو أنسب من أن نبحث عن معلم النبي r؛ لأن النبي r كان يُسمَّى ‘أُمِّيًّا’ لأنه في الحقيقة هو أمُّ العلم كله، وهو في الحقيقة أمُّ العلم. وإلاَّ فكيف ترك وراءه هذا المحيط من العلم، وهو لم يتلقَّ تعليمًا رسميًّا؟

بل إن الحديث عن معجزاته r لا يعدو أن يكون من العبث أن يتحدث عن معجزاته من لا يعتبر مجرد وجود النبي محمد r معجزة. الله هو معلم جميع الأنبياء. فالنبي الكريم محمد r علمه الله تعالى. فأول الكتب التي خلقها هي الألواح المحفوظة، وآخرها الكتاب الذي يحوي العلم الأزلي، والكلمة الخاتمة التي أخذت شكل الرحمة. فالنبي الكريم r، خاتم النبيين r، هل يحتاج إلى أن يقرأ أو يكتب بالمعنى الذي تفهمه أنت؟ ولكن حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون فهم المعنى الباطني الحقيقي لوجود النبي r، أولئك الذين لا يرون إلا شكله الخارجي، فلا داعي للخوض في الخلاف حول قدرة النبي الكريم r على كتابة اسمه واسم أبيه. لأنه حتى الجاهل البسيط يستطيع أن يتعلم كتابة اسمه بالتقليد. ولنتابع في قصتنا: كان من المقرر أن تستمر هذه المعاهدة لمدة عشر سنوات، ومن ثَمَّ كُتبت هذه المعاهدة. وكانت شروط هذه المعاهدة صعبة جدًّا، وبدا ظاهريًّا أن المسلمين كانوا في وضع غير مواتٍ.

كانت هذه هي مواد المعاهدة:

  1. وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ يَرْجِعُونَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ غَيْرِ طَوَافٍ بِالْبَيْتِ.
  2. ويجوز لهم أن يعودوا إلى مكة في العام القابل للزيارة، ولكن لا يقيمون أكثر من ثلاثة أيام، وتخرج قريش من المدينة مدة زيارتهم.
  3. لن يدخل المسلمون المدينة بأسلحتهم وعتادهم الحربي جاهزين، بل سيتركون سيوفهم في أغمادها.
  4. وَمَنْ أَتَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ رُدَّ إِلَى قُرَيْشٍ. وَمَنْ جَاءَ قُرَيْشًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قُرَيْشٍ رُدَّ إِلَى قُرَيْشٍ. وَإِنْ جَاءَ مُسْلِمٌ إِلَى مَكَّةَ لَمْ يُرَدَّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ. ولا يجوز لأتباع محمد r أن يخالطوا أحدًا من المؤمنين الذين يعيشون في مكة. أما إذا أراد أحد من المهاجرين إلى المدينة المنورة أن يبقى في مكة، فلا مانع من أن يُتركوا في أمان.
  5. ويُترك لجميع القبائل غير قريش أن يختاروا لأنفسهم. فإن شاءوا دخلوا في عهد الأمان مع محمد r، وإن شاءوا عقدوا مع قريش عهدًا من غير قريش.

رأى أصحاب الرسول الكريم r أن جميع شروط هذه المعاهدة كانت قاسية جدًّا. وعلى وجه الخصوص، فقد وجدوا صعوبة بالغة في قبول أن أي شخص يأتي إلى قريش من جهة محمد r لا يُردُّ إلى قريش؛ بينما أي شخص يأتي من قريش إلى محمد r، ويكون مسلمًا، يجب أن يُردَّ إلى قريش. وسألوا الرسول الكريم r، وكان عمر هو المتحدث باسمهم، وسألوا الرسول الكريم r كيف يمكن أن يقبل بمثل هذه المعاهدة، وكيف يمكن أن يقبل أن يسلم مسلمًا في أيدي المشركين؟ وأكدوا أن عليه أن يرفض هذا الشرط على أقل تقدير، وإن لزم الأمر أن يلغي المعاهدة كلها. ولكن سهيلًا أصرَّ بشدة على هذا الشرط، وقال: إن رفضهم لقبوله يبطل العقد كله.

وفي النهاية تبسَّم الرسول الكريم r وقال: “يَا عُمَرُ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَاءَنَا مُسْلِمًا فَرَدَدْنَاهُ إِلَيْهِمْ، لَرَدَدْنَا إِلَيْهِمْ دَمَهُ؛ فَإِنَّ دِيَتَهُ دِيَةُ مَا لَقِيَ مِنْ ظُلْمٍ وَسُوءِ مُعَامَلَةٍ عَلَى أَيْدِيهِمْ. ولا يمكن تخيل نعمة أعظم من هذه النعمة على ذلك الشخص. أما من يتخلى عنا ويلتحق بالكفار فتنقطع صلته بهم على كل حال‘.”

تم تدوين كل هذه النقاط. وبينما كانوا على وشك التوقيع والإشهاد على العقد بحضور شيوخ من الجانبين، جاء ابن مندوب قريش سهيل بن عمرو القرشي مهرولاً بعد أن هرب من آسريه. كان اسمه أبو جندل وكان مؤمنًا مخلصًا مخلصًا، سجنه أبوه. كانت الأغلال في قدميه تصطك بإيقاع متناغم مع صيحات “الله أكبر” العالية وهو يركض نحوهم. وألقى بنفسه على قدمي النبي r، وهو منهك تمامًا، وهو يقبلهما ويتوسل قائلاً: “يا نبيي r، أنقذني! لقد فررتُ من أجل حبك من العذاب الذي يذيقني إياه هؤلاء المشركون. انظر إليّ!” وبهذه الكلمات كشف للنظر إلى الجروح والإصابات في جميع أنحاء جسده التي لا ينبغي أن يعاني مثلها أي إنسان. في الواقع، كان الرب القدير يريهم مثالاً لمؤمن كان، على الرغم من تورطه في مأساة هذه الحياة الدنيوية، مليئًا بالعاطفة الدينية.

وغلبت على الصحابة مشاعر الشفقة والرحمة. ولكن مندوب قريش سهيل بن عمرو القرشي لم يزده ما أظهره ابنه أبو جندل من مشاعر عميقة تجاه الرسول الكريم r ودين الإسلام الحنيف إلا غضبًا. وقال له: “إن هذه الحادثة ستثبت على الفور ما إذا كنت تنوي الوفاء بالمعاهدة التي نحن على وشك توقيعها أم لا”. “ستسلم لي على الفور يا بني يا أبا جندل!”.”

فقال النبي r: “قَدْ قَضَيْنَا الْعَقْدَ، وَلَكِنَّا سَنَسْتَثْنِي أَبَا جَنْدَلٍ. فَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ رَدَدْنَاهُ إِلَيْكَ”. فأجابه سهيل: “لا فائدة من المعاهدة في هذه الحالة”. ثم قال النبي r: “نَعَمْ، نَتْرُكُ أَبَا جَنْدَلٍ بِالْحُدَيْبِيَةِ”. ولكن سهيلًا أصرَّ بإصرار شديد ورفض قبول ذلك. كانت هذه المعاهدة في ظاهرها قاسية جدًّا، ولكن بالنظر إليها بعين محمد r، نجد أنها كانت تنطوي على خير عظيم. ولذلك وافق الرسول الكريم r في النهاية على إعادة أبي جندل إلى يد أبيه. وقد أزعج هذا القرار الصحابة تمامًا، واضطربوا اضطرابًا شديدًا. وتضرع أبو جندل إلى محمد r قائلاً: “أَلْقِ بِنَفْسِي إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ! هَلْ أَنْتَ مُسَلِّمِي فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا مُسْلِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ r؟ أتأذن لهم أن يعذبوني بأشد مما عذبوني به يا رسول الله r؟”

ثم أجلس النبي الكريم r أبا جندل إلى جانبه وقال له: “يَا أَبَا جَنْدَلٍ، هَلْ لَكَ يَا أَبَا جَنْدَلٍ فِي حُبِّكَ لِي؟ فأجابه الرجل: ”بالطبع يا رسول الله r“. ”وَمَا حُبُّكَ لِدِينِ الإِسْلاَمِ؟ “، فأجابه أبو جندل: ”وَأَنَا أُضَحِّي مِنْ أَجْلِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ“. فأجابه النبي r: ”فَإِنِّي أُسْلِمُكَ يَا أَبَا جَنْدَلٍ“ فقال النبي r: ”فَإِنِّي أُسْلِمُكَ يَا أَبَا جَنْدَلٍ لَهُمْ، فَإِنَّكَ سَتُصْبِحُ مُصَابًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَجْلِي وَحُبِّ الإِسْلامِ، وَإِنَّ رَبَّكَ قَدْ سَمِعَ دُعَاءَكَ فَلَنْ تَعُودَ نَفْسُكَ تُؤْذَى، وَإِنَّمَا يُؤْذِيكَ قَلْبُكَ“. وعليك أن تعلم أن الله عز وجل قد أعطاك من الفضل العظيم ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، فذلك فضل الله عليك عظيم، فذلك هو البلاء العظيم.

“إن جزاء صبركم سيكون محطات واسعة في العالم الإلهي. لأن الرب تعالى قد ربط بمصيركم دخول مئات الآلاف من غير المؤمنين في الإسلام. وفي وقت قصير جداً ستفهمون الحكمة الكامنة وراء ذلك. إن هذه المعاهدة ستمكننا من الاتصال بحرية بعدد كبير من الناس. ستشرق شمس الإسلام وتصبح مرئية. من يرى هذه الشمس سيصبح مفتونًا بالإسلام. في هذا الوقت، لا يسمح لنا العدو في هذا الوقت بأي اتصال، ولا نستطيع أن نقترب من رجال القبائل العربية بسبب الدعاية الكاذبة التي أشاعوها عنا، ولكنكم ستكونون أنتم الوسيلة لإبطال هذا الشر”. فَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ r، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَضِيتُ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلَوْ قَطَّعُونِي إِرْبًا إِرْبًا. فَقَالَ: ”مَا شِئْتَ فَلْيَكُنْ كَمَا شِئْتَ". ثُمَّ رُدَّ إِلَى أَبِيهِ سُهَيْلٍ وَافِدِ قُرَيْشٍ وَعُقِدَ لَهُ الْعَقْدُ.

وبالطبع لم يكن الصحابة ينظرون إلى الموقف كما نظر إليه رسولهم r. ولم يستطع عمر على وجه الخصوص، الذي كان عنيفًا بطبعه، أن يتصالح مع هذا العقد. وعندما أُعيد أبو جندل إلى أيدي أعدائه، لم يستطع عمر أن يحافظ على رباطة جأشه أكثر من ذلك. فاقترب من الرسول الكريم r في حالة من الغضب الشديد، وسأله هذه الأسئلة: ‘أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا‘؟ فأجابه محمد r: “بَلَى”، “أَنَا رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا”. “أَلَيْسَ دِينُنَا عَلَى الْحَقِّ؟ أليس الصراط الذي نتبعه هو الصراط المستقيم؟ فأجابه الرسول r: ”بَلَى، هُوَ الْحَقُّ“، فقال النبي r: ”بَلَى، هُوَ الْحَقُّ“، فقال: ”إِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ، فَلِمَ نَرْضَى بِالذُّلِّ وَالصَّغَارِ؟ ثم قال النبي الكريم r: “عَلَى رِسْلِكَ يَا عُمَرُ! فإني رسول الله r، وإني لا أستطيع أن أعصي ربي!”. وبهذه الكلمات نطق النبي الكريم r بتحذير لعمر r، وإن كان قد عبَّر عن ذلك بالرقة المميزة التي كانت سمة من سماته.

فأشار له بطريقة غير مباشرة إلى أنه كان على وشك التمرد على الرب عز وجل، وبذلك نجاه الله تعالى. ولو أنه اكتفى بقوله: “يا عمر إنك على شفا جُرُفٍ هارٍ‘، لكان عمر قد هلك. فقال عمر: ”يا نبي الله r، ألم تقل يا رسول الله r: ‘أَلَمْ تَقُلْ إِنَّا سَنَأْتِي الْكَعْبَةَ وَنَطُوفُ بِهَا، أَلَمْ تُخْبِرْنَا أَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُنَا‘. فأجابه رسول الله r: “بَلَى، بَلَى، قَدْ قُلْتُ: إِنَّا سَنَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَلَكِنْ لَمْ أَقُلْ إِنَّهُ فِي عَامِنَا هَذَا. إِنَّا سَنَعُودُ مَرَّةً أُخْرَى”. ثم انصرف عمر من عند النبي الكريم r، وذهب إلى أبي بكر، وقال له: “يَا أَبَا بَكْرٍ، أَيُّ عَهْدٍ هَذَا الَّذِي يَشْتَرِطُ عَلَيْنَا هَذِهِ الشُّرُوطَ الْجَامِدَةَ!” فقال أبو بكر عندئذٍ: ‘يا عمر لا داعي للضيق، فإن محمدًا r نبيٌّ مرسل. لا يفعل إلا ما يأمره الله تعالى به. ولا شك أن في كل ما يفعله حكمة في كل ما يفعله، ولكننا لا نستطيع أن نفهمها بعدُ. فاصبروا“.”

أمر الرسول الكريم r الصحابة أن يشرعوا في نحر الإبل التي أحضروها معهم. ولكن على الرغم من أن سيد العالمين كرر أمره r ثلاث مرات، إلا أن رجلاً واحدًا لم يتحرك لتنفيذ أمره، إلا أبو بكر الصديق وعليٌّ r. وكان كل الصحابة الكرام يفكرون في أنفسهم: “لعل الرسول الكريم r يشفق علينا، ويغير هذه المعاهدة”.”

وقد أزعجت هذه الأفكار الرسول الكريم r انزعاجًا شديدًا. وفي حالة ذهنية مزعجة ذهب إلى معسكر حاشيته حيث كانت زوجته الكريمة أم سلمة رضي الله عنها. فلما رأت أم سلمة حاله انزعجت أم سلمة انزعاجًا شديدًا، وقالت له: “يا رسول الله r! ما رأيتك في مثل هذه الحالة من قبل! ما الذي حدث؟ فأجابها الرسول الكريم r: ”يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ كَانُوا بِالأَمْسِ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِي، الْيَوْمَ لاَ يَسْمَعُونَ قَوْلِي!“

ثم قالت أم المؤمنين أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها بقصد الدفاع عن الصحابة: “لا يا رسول الله r، ليس ذلك من عدم رغبتهم في ذلك، إنما هو من عدم قدرتهم على فهم الحكمة من هذه المعاهدة. أي أنهم يتصرفون كما يتصرفون بسبب إخلاصهم لك، بل إنهم يتصرفون كما يتصرفون بسبب إخلاصهم لك. إنهم يظنون أن العدو الآن قد انتصر على نبينا الكريم r، وفرضوا إرادتهم عليه. هذا التفكير يجعلهم صُمًّا وبُكْمًا من الغيظ. إنهم يظنون أن النبي r ربما يأخذ بعين الاعتبار عدم موافقتهم ويُدخل تعديلات على المعاهدة. ولكن بعد ذلك فإن أفعالك وأفعالهم تتحدث بصوت أعلى من كلامك. اخرج إليهم الآن وابدأ بنحر الإبل وحلق رأسك. وستراهم يحذون حذوك.‘

فسُرَّ النبي الكريم r بهذه الكلمات من أمِّ سلمة r، وقال: “أَحَقًّا تظنين ذلك يا أمَّ سلمة؟ قالت: ”نعم يا رسول الله r“، فقام النبي الكريم r من مكانه وخرج إلى الإبل. ثم دعت أمُّ سلمة بعد ذلك دعاءً حارًّا: ”يَا رَبِّ لاَ تُخْزِنِي الآنَ!“. وفعلاً عندما بدأ الرسول الكريم r في نحر إبله، اقتدى به الصحابة جميعًا ونحروا هديهم أيضًا، وخرجوا بذلك من حالة الإحرام.

بيعة الرضوان، بيعة الرضوان، بيعة الرضوان

يا طالب الحق! في مناسبة هدنة الحديبية وقع حدث في غاية الأهمية وعميق الدلالة، وهو ما عُرف بهدنة الحديبية التي بيعة الرضوان, قسم الولاء.

لقد سبق أن ذكرنا كيف أن الرسول الكريم r قد أرسل عثمان إلى مكة المكرمة ليخبر المسلمين الذين يعيشون فيها مستخفين بإيمانهم بالمفاوضات التي كان يجريها الرسول الكريم r مع قريش باسم الإسلام. وكان من المقرر أن يخبرهم أن الإسلام سيظهر علانية في مكة المكرمة بعد فترة وجيزة، ويبشرهم بفتح مكة. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَسْبَابُ التَّأْخِيرِ أَيْضًا. وبعد أن تم توقيع العقد، انتظر الجميع عودة عثمان رضي الله عنه. وبدأت الشائعات تسري في المعسكر بأن عثمان قد استشهد. وكان الرسول الكريم r جالسًا تحت شجرة مصطكى (فستق العدس) عندما وصلت هذه الشائعة إلى مسامعه. فقال r: ‘إِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا فَإِنِّي لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرْجِعَ دُونَ أَنْ أُعَاقِبَ قُرَيْشًا، فَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرْجِعَ دُونَ أَنْ نُقَاتِلَهُمْ‘. فأرسل مناديًا ينادي في المسلمين جميعًا ليسمعوا: ‘إن الرسول الكريم r يريد أن يخرج كل من يريد أن يبذل نفسه في سبيل الإسلام!“.”

وجاء الصحابة الذين سمعوا هذا النداء يهرعون جميعًا إلى حضرة النبي r، وهم يقولون: “يَا رَسُولَ اللَّهِ r! لقد رضينا بالله الذي علمتنا إياه، ووضعناك على رءوسنا تاج الفرح، وأحببنا الدين الذي جئتنا به، ونحن مستعدون للتضحية بكل وجودنا من أجل الإسلام! هل أنت بعد في شك منا؟ فأجابه الرسول r: ”لا“، فأجابه النبي r: ”لا“، بل لسبب آخر: فبسبب هذه البيعة بالذات ستظهر بركات خاصة جدًّا. إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ النَّاسَ إِلَى الثَّبَاتِ وَالإِيمَانِ أَنْ يَأْتُونِي الآنَ. فَمَنْ يَثْبُتُ مَعِي حَتَّى يَنْتَهِيَ هَذَا الأَمْرُ، مَنْ هُوَ مُسْتَعِدٌّ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ وَرُوحَهُ”.”

ثم اجتمع الرجال والنساء في حضرة الرسول الكريم r في روح من الحب والإخلاص المطلق، ووضعوا أيديهم تحت اليد المباركة لملك الأنبياء r، وبايعوه r، ثم اجتمعوا في حضرة الرسول الكريم r، فبايعوه r على الموت في سبيل الله: “يا رسول الله، نعاهدك يا رسول الله أن نموت في سبيلك ولا نرجع. إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”. ولم يكن فيهم إلا رجل واحد هو الجد بن قيس المنافق الذي اختبأ وراء بعيره حتى لا يلتزم بهذا العهد، وكان من بينهم رجل واحد فقط هو الجد بن قيس المنافق. وقد تمنى الرسول الكريم r الذي كان يعلم مدى أهمية هذه البيعة في الحضرة الإلهية أن لا يُحرم عثمان من البركة التي لا تُحْصَى بسبب غيابه. لذلك دعا أصحابه ليكونوا شهودًا له وقال: ‘يا رب! لتكن يدي اليسرى مكان يد عثمان“، ووضع يده اليسرى تحت يده اليمنى. وهكذا جعل لعثمان نصيباً من هذه البيعة ومن بركاتها الملازمة لها.

يتحدث الرب الأزلي عن هذا الحدث الذي جرى على الساحة الدنيوية بين الحبيب صلى الله عليه وسلم وأصحابه في نزول القرآن الكريم:

إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ يَمِينَهُ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاِنَّ اللَّهَ سَوْفَ يُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.

(النصر، 10)

وإذا قرأ المرء بانتباه سيظهر له أن الرب هنا يشير إلى عباده بأنه لن يبقى في محبوبه أثر من آثار الوجود الناقص، بل سيصير مغموراً في الرب، راسخاً في الثبات. إلا أن هذا التفسير يتعلق بمن ذاق طعم الإيمان الحقيقي، أما المؤمنون الذين ما زالوا في مرتبة الإيمان الصوري فقد يستفاد هذا المعنى من هذه الآية: أن قدرة الله تعالى فوق طاقاتهم وفوق قواهم.

وقد أشار الله تعالى إلى ما تضمنته بيعة الحديبية من البشارة العظيمة بالرضوان الإلهي في هذه الآية:

لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (النصر، 18)

وهناك درس آخر دقيق آخر يجب أن تتعلمه أمة محمد من هدنة الحديبية. أولًا: تعلمنا هذه المعاهدة رباطة الجأش في مواجهة الشدائد، ثم تنصحنا بأن ننظر إلى عواقب الفعل، وأخيرًا تشير إلى أن القوة العقلية ستتغلب حتمًا على القوة المادية. على سبيل المثال، لنفترض أننا نرى شيئًا سيئًا. إذا ذهبنا وحاولنا سحقه على الفور، فقد لا يكون ذلك فعالاً للغاية، ولكن إذا احتوينا اندفاعنا وصبرنا وانتظرنا الوقت المناسب للتعامل مع الأمر، فسيكون ذلك أكثر فعالية. كل هذه الدروس متضمنة في أحداث الحديبية.

وكانت النتيجة على النحو التالي:

وتدريجياً بدأت تظهر نتائج هذه المعاهدة التي كانت تبدو في الظاهر هزيمة للمسلمين، ولكنها في الحقيقة كانت نصراً. ذلك أن إشراق وجه النبي الكريم r، وإشراق وجه الرسول الكريم r، وحلمه النبوي، ورأفته ونصرته على الجميع دون استثناء الكافرين، ورحمته بأعدائه، والحرية التي بشر بها الإسلام، ومقته لعبادة الأوثان وتحريمها - بدأ معظم الوثنيين الذين شاهدوا هذه العلامات يتجهون بقلوبهم نحو الإسلام، وحتى الذين لم يشرفهم قدرهم بأن يصبحوا مسلمين أصبحوا أقل إصرارًا على عداوته.

وفي فترة وجيزة أصبحت معاهدة الصلح هذه سبباً رئيسياً لانتشار الإسلام، حيث أصبح الكفار الآن أحراراً في الاختلاط بالمسلمين. واستحوذ هذا الاختلاط على عقول الناس، حتى أقبل الناس بأعداد كبيرة وصهرت خشونتهم في بوتقة إشراق النبي r، حتى انقلبت إلى رقة ولطف، فصاروا في رقة ولطف. ووجد زعماء المشركين أنفسهم في عزلة متزايدة.

ثم نزلت هذه الآية:

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.... (النصر، 1)

وقد رأى الكفار الذين جاءوا لزيارة أقاربهم الذين أصبحوا من أتباع الرسول r أن حالهم ممتاز، وأنهم لا يرغبون في العودة. وفي وقت قصير جدًّا تضخمت صفوف المسلمين وأقبل على الإسلام أكثر مما كان عليه الحال في العام السابق لمعاهدة الحديبية.

ثم تحول خالد بن الوليد قائد الأركان وقائد فرسان الجيش العربي الوثني إلى الإسلام. أسلم الرجل الذي كان من المقرر أن يصبح فاتح سوريا في المستقبل ويحصل على لقب “سيف الله المسلول”، وكان إسلامه نعمة عظيمة للمسلمين. لقد غرق قادة الكفار في اليأس. عندها فقط بدأ عمر في فهم الحكمة من هدنة الحديبية.

وفي يوم من الأيام دعا النبي r عمر فقال له: ‘يَا عُمَرُ، إِنَّكَ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُكَلِّمَنِي عَلَى انْفِرَادِكَ. والآن أريد أن أكلمك على انفراد“. فأدرك عمر بعد ذلك خطأه. ‘فقال: ”نعم يا رسول الله، لقد عارضتك في كثير من الأمور، ولكني أعتمد دائماً على رحابة صدرك، لأنك كنت دائماً تقابل خشونتي بالعفو الرقيق. أتريد أن تذكرني بهدنة الحديبية، أليس كذلك؟ لقد كنتُ يومئذٍ أشتكي إليكم وأغلظت عليكم، ولكن كان ذلك لقوة إيماني بكم. نَعَمْ شَكَوْتُ إِلَيْكَ مِنْكَ، وَإِلَى مَنْ كُنْتُ أَشْكُو ... إِلَيْكَ غَيْرَكَ مَنْ كَانَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَشْكُوَهُ فَاغْفِرْ لِي تَقْصِيرِي، فَإِنَّا قَوْمٌ أَنْقَذْتَنَا بِالأَمْسِ مِنْ عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ‘. فتبسَّم الرسول الكريم r من كلام عمر رضي الله عنه وأرضاه وأجاب عليه بألفاظٍ لطيفةٍ وعامله بلطفٍ.

وَالشَّرْطُ فِي عَقْدِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي رُجُوعِ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ إِنَّمَا كَانَ فِي الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ. وفي شأنهم نزلت الآية التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَآتُوا الْمُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (النساء المختبرات، 10)

وخلال هذه الفترة أسلم عتبة بن أسيد في مكة، ولما تجاوز الإيذاء الذي تعرض له من الكفار كل الحدود، قرر الفرار من مكة إلى المدينة. فأرسلت قريش وراءه رجلين مهمتهما إعادة عتبة إلى مكة. فصرخ عتبة مستغيثًا متضرعًا: ‘يا رسول الله r! لا تسلمني إلى أيديهم، فإني لا أطيق أن أكون بين الكفار مرة أخرى!‘. ولكن الرسول الكريم r أجاب: ‘إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَنْقُضَ عَهْدَنَا مَعَ قُرَيْشٍ. إنك ستعود من أجل الإسلام. اصبروا. فَسَوْفَ يَفْتَحُ اللَّهُ لَكَ وَلِأَمْثَالِكَ. لا بد أن تتحملوا في سبيل هذا الدين الحنيف شيئًا من المشقة“. ودعا ربه عز وجل قائلاً: ”يا ربي الله! يسِّر عليهم ويسر لهم طريق النجاة!“. ثم رجع عتبة إلى مبعوثي قريش.

وفي الطريق، قال عتبة للرجال الذين كانوا يقتادونه: ‘لماذا تريدون أن تنزلوا بي القسوة؟ “لماذا لا تتركوني أذهب؟ فأجابوه: ”أنت من المسلمين. إنه لمن دواعي سرورنا أن نعذبك ونذيقك العذاب“. فارتحلوا إلى المكان المسمى بذي الحليفة. فكر عتبة في طرق لتحرير نفسه من أيدي آسريه الذين لا يرحمون. كان رجلاً قويًا جدًا. وفي لحظة معينة استطاع أن ينتزع السيف من يد الرجل الذي كان يحرسه، وبضربة واحدة فصل رأسه عن جذعه وهو يصيح: ”جَزَاءً وِفَاقًا لِمَنْ أَرَادَ تَعْذِيبَ مَنْ لَا يَرْغَبُ إِلَّا فِي اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْحَقِّ، وَلَا يَنْحَنِي إِلَّا لِلَّهِ!‘.“

تدحرج رأس الكافر في الرمال وهرب صديقه. وبالكاد تمكن من الفرار من عتبة. وبعد ذلك بقليل جاء عتبة مرة أخرى إلى حضرة الرسول الكريم r، وهو يدافع عن نفسه قائلاً: ‘يَا مُحَمَّدُ! لقد التزمت بحرفية البنود في المعاهدة التي أبرمتها. لقد هربت إلى المدينة المنورة، فأرسلوا في أثري رجالاً ليأتوا بي؛ فطلبوني منك، فأسلمتني إلى أيديهم، فأخذوني. فَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَا لَوْمَ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ تَنْقُضُوا الْهُدْنَةَ. أما أنا، فبعد أن سُلِّمتُ إليهم، دافعتُ عن نفسي، وبمعونة الله وعنايته نجوتُ. هذا لا علاقة له بمعاهدة الحديبية. أفلا تأذنون لي الآن بالمقام في المدينة‘.“

فأجابه الرسول الكريم r: “إِنَّ الْمُعَاهَدَةَ تَشْتَرِطُ فِي الْعَهْدِ أَنْ يَرُدُّوكَ مَتَى طَلَبُوا ذَلِكَ. لذلك، لا أستطيع أن أبقيك هنا في المدينة المنورة. اذهب حيث شئت، ما دمتَ خارج المدينة المنورة”.”

‘وغادر عتبة المدينة فورًا عندما أمره النبي r بذلك، واستقر بالقرب من الساحل في مكان يسمى العيص. وسمع بذلك المسلمون الباقون في مكة، فبدأوا يتجهون واحدًا تلو الآخر شمالاً نحو العيص. وفي فترة قصيرة تجمع عدد كبير من المسلمين في العيص. حتى أن أبا جندل تمكن مرة أخرى من الفرار من السجن الذي حبسه فيه والده، وانضم هو أيضًا إلى عتبة في العيص. قبل وصول أبي جندل، كان عتبة قبل وصول أبي جندل قائدًا وإمامًا للجماعة، ولكن عندما وصل أبو جندل تولى الإمامة.

وفي يوم من الأيام قرروا أن لديهم العدد الكافي ليجدوا وسيلة للالتحاق بالرسول الكريم r؛ لأن الكفار في المعاهدة كانوا قد اشترطوا في المعاهدة أن يردَّ كل من يفر إلى المدينة إلى مكة. “والآن قد أعطانا الله تعالى الوسيلة لإلغاء هذا الشرط. نحن الآن جماعة ذات قوة، تضم سبعين رجلاً. فلنلجأ إذن إلى مضايقة قوافل قريش المارة. ثم يذهبون إلى محمد r من تلقاء أنفسهم، ويطلبون إلغاء هذا الشرط”. فوضعوا قرارهم موضع التنفيذ، وبدأوا في مضايقة قوافل قريش. ولم يمضِ وقت طويل حتى جاء وفد من قريش إلى الرسول الكريم r يطلبون منه إلغاء الشرط الخاص بردِّ الهاربين إلى قريش. وبعد ذلك كتب النبي r لعتبة كتابًا يدعوه فيه هو وأصحابه للقدوم والمقام معه في المدينة المنورة.

وعندما وصلت هذه الرسالة، كان عتبة مريضًا مرضًا شديدًا يكاد يشرف على الموت. وعندما أخبروه أن الرسول r قد أرسل إليه رسالة من النبي r، بدا أنه عاد إلى الحياة رغم حالته الخطيرة. ‘اقرأها عليَّ!“ فطلب منه أن يقرأها. فقُرئ عليه كتاب النبي r: ”إن قريشًا قد طلبت إلغاء شرط عودة الهاربين من مكة إلى المدينة المنورة. ونحن الآن ندعوك وأصحابك للقدوم والمقام معنا في المدينة“. فحمد الله تعالى عتبة وصلى على النبي الكريم r، ثم قال: ”إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِي فِدَاءَكَ مِنْ شَرِّ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي عَهْدِ الْحُدَيْبِيَةِ. فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمَجْدُ غَيْرَ مَكْفُورٍ‘. ثم التفت إلى أصحابه، وقال: “انْطَلِقُوا إِلَى النَّبِيِّ r فَأَقْرِئُوهُ السَّلامَ وَأَقْرِئُوهُ السَّلامَ وَأَقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلامَ. قد سمعتم بأنفسكم أنه قد رضي عني، فكونوا شهداء لي عند الله تعالى وأسرعوا إلى المدينة المنورة في الحال”. وبذلك وضع الرسالة على عينيه وجبينه وانتقل من دار البلاء إلى دار الخلود. وصلى عليه أبو جندل صلاة الجنازة، وبعد أن دفنوه في العيص انصرفوا إلى المدينة المنورة.

بعد ذلك، فُتحت طرق قوافل قريش مرة أخرى وسارت القوافل على طولها دون مضايقة.

وكما ذكرنا من قبل، لم ينطبق هذا الشرط من الاتفاقية على النساء. ولم يكن في المعاهدة ما يقتضي ردهن إلى الكفار. وفي هذه الأيام أسلمت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أحد كبار قريش، فأسلمت. وجاء أخواها الوليد وعمارة يطالبان بتسليمها. ورفض الرسول الكريم r الاستجابة لطلبهما. ثم إن الصحابة الذين كان لهم زوجات كافرات بقين في مكة المكرمة طلقوا زوجاتهم بعد ذلك.

وبهذه الطريقة تهربوا من معاهدة الحديبية. وبعد فترة من ذلك قال الرسول الكريم r: “قَدْ آنَ أَوَانُ ظُهُورِ الإِسْلاَمِ وَانْتِشَارِهِ”. لأن دين الإسلام لم يكن مقصودًا أبدًا أن يكون مقصورًا على شعب واحد، أو مجتمع واحد، أو قارة واحدة. بل كان المقصود به دينًا عالميًّا، لينتشر من أقصى الأرض إلى أقصاها، وإمام الأنبياء r بُعِثَ رسولاً مبشرًا ونذيرًا، ليعلِّم ويبلِّغ رسالته إلى أقصى الأرض.

فالإسلام في الحقيقة هو دين التوحيد، وتوحيده يوازن بين الإفراط في التشبيه الوثنية، وبين التنزيه المطلق لله تعالى. فهو يعلن وحدانية الألوهية. إنه يقدّر العقل. وبحكم العقل السليم، تثبت كل شريعة منزلة أن لها أساسًا عقليًا. الإسلام ينكر عبادة الأصنام والظلم والرياء والنفاق والكفر، ومن يميل إلى هذه الأمور يعتبر كافرًا. وينهى عن عبادة كل مخلوق ضعيف من البشر، وينهى الناس عن أن يكونوا من الطواغيت، ويمنع من أن يكونوا من الطواغيت. وتمنع الناس من أن يدوسوا بالأقدام الأخلاق الطبيعية للبشر. ومراعاة حقوق جميع الكائنات الحية هي أسمى الأعمال التي ترضي الله.

وأولى الناس بهذه المنزلة في المجتمع أكثرهم تقوى للرب عز وجل، وأشدهم شفقة على خلقه.

لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.

(الأنبياء، 23)

وهذا يعني أن كل أحد إلا الله تعالى مسؤول، سواء كان رئيساً أو شيخاً أو مدرساً أو عالماً أو صاحب فضل، فالكل سيحاسب وفقاً لتعاليم الإسلام.

إن الإسلام يحكم بأن يحاسب الحاكم بنفس معايير العبد، وأن يقدس كل نشاط دنيوي بنية السعي للدنيا كأنك لن تموت أبداً، والعمل للآخرة كأنك ستموت غداً. إن الإسلام يقدّر كل علم، ويفضل الإنسان الفاسد المتعلم على العابد المتدين الجاهل.

إن الإسلام يطالب بذكر الله ليس بالقول فقط، بل يطالب بأن يكون الذكر متضمنا في جميع الأعمال والأحوال، وتطبيقه على جميع الأحوال.

إن المال جائز ما لم يضر أحداً، وقد جعل الإسلام الفقير أخو الغني، ويعلمنا الإسلام أن من خضع للظالم محي اسمه من سجل الإسلام، ولأن هذا الدين هو دين المحبة، فإنه سيكتب اسمه في سجل من اشتغل بحب غير الإسلام، وحكمه رأي نفسه، وأساس الكفر رفعة الوضيع، وذلة الرفيع.